الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

تحويل البيانات الى أموال


كثيرا ما نسمع عن جرائم أمن المعلومات الإلكترونية والتي تتضمن سرقة بيانات خاصة لزبائن من كبرى الشركات العالمية وغيرها من الإنتهاكات الأمنية التي عادة وغالبا ما تشمل بيانات إلكترونية فقط. كان من آخر وأكثر هذه الجرائم أو الإنتهاكات الأمنية جدلا في العالم هي ما حصل لشبكة بلاي ستيشن (ٍPlay Station) في شركة سوني في ابريل الماضي والذي تسببت في تعطل الخدمة لمدة 23 يوما وتعريض حساب اكثر من 100 مليون مشترك للخطر، بالاظافة الى إختراق 12.3 مليون بطاقة ائتمان. لا يخفى على الجميع اهمية مثل هذه المعلومات وخصوصيتها لدى أصحابها ولكن قد يتسائل البعض عن كيف يمكن لهؤلاء المجرمين وقراصنة المعلومات الإستفادة مادياً من مثل هذه المعلومات. قد يقول قائل انهم يستطيعون الإستفادة من أرقام بطاقات الإئتمان لشراء منتجات وحاجيات خاصة بهم الى ان يتم ايقاف هذه البطاقات، ولكن الأمر مغاير تماما لذلك نظراً لسهولة التعرف عليهم من خلال متابعة اماكن عمليات الشراء والعنوان المستخدم لإرسال البضاعة ان كانت العملية قد تمت من خلال مواقع إلكترونية (الإنترنت). الواضح اليوم أن هناك منظومة إجرامية متكاملة خلف مثل هذه العمليات تشارك بشكل مباشر وغير مباشر في العمل الإجرامي.

نشرت مجلة الميكانيكا الشائعة (Popular Mechanics) في عددها الصادر في اغسطس الماضي تقريرا عن الطريقة التي يتبعها محتالوا الانترنت لتحويل البيانات المسروقة الى اموال والتي تبدأ بإستخدام شتى انواع البرمجيات الخبيثة (malware) والخدع التجسسية كالبرمجيات المضادة للفيروسات الزائفة وغيرها للإستيلاء على اكبر عدد من حسابات المستخدمين في الإنترنت. بعدها يقوم هؤلاء المحتالون بتجربة بطاقات الإئتمان في هذه الحسابات من خلال عمليات شراء صغيرة للتأكد من صحتها ومن ثم الشروع ببيعها في ما يسمى بالنفايات الإلكترونية لبطاقات الإئتمان (credit cards dumps). يقوم المشترون بطباعة بطاقات بلاستيكية جديدة مستخدمين فيها الأرقام المسروقة والتي تتضمن رقم البطاقة المكون من 16 رقم بالإظافة الى رقم الأمان المكون من ثلاثة ارقام. بعد يذلك يقوم هؤلاء بتوظيف من يسمونهم ببغال المال (money mules) للقيام بعمليات السحب من اجهزة الـ (ATM) أو للقيام بعمليات شراء الكترونية وشحن البضائع الى عناوين مهجورة وبعد ذلك إعادة بيعها للحصول على النقد. طبعاً عادة ما يتم توظيف بغال المال هؤلاء من خلال عروض وظائف الكترونية تتطلب منهم العمل من البيت. يقوم بغال المال بعد الحصول على النقد بتحويل المال الى حسابات خارج البلد او تحويلها الى نقد الكتروني من خلال بعض المواقع كموقع بي بال (PayPal) وإي جولد (e-Gold) ليستطيع رب العمل (المحتال) الحصول على ماله.



من جانب آخر، يوجد هناك شركات دعاية تهتم بالترويج لمنتجات الشركات الاخرى بشتى الطرق، من اهمها الإنترنت لقلة تكلفتها المادية بالمقارنة مع بقية القنوات كالتلفاز والدوريات المطبوعة. أظف إلى ذلك الإنتشار الواسع للإنترنت والذي يغطي مساحات شاسعة أكبر بكثير من تلك المساحات التي تغطيها بقية القنوات الدعائية. لذلك تسعى مثل هذه الشركات لتجميع اكبر قدر من المعلومات الإلكترونية الخاصة بالمستخدمين حول العالم كعناوينهم البريدية والإلكترونية وارقام هواتفهم وغيرها. بعد ذلك تقوم هذه الشركات بتصنيف وفهرسة هذه المعلومات حسب معايير معينة يمكن من خلالها استهداف شرائح معينة دون اخرى لتحقيق اكبر قدر من الفاعلية في الحملات الإعلانية. طبعاً من ضمن الوسائل التي قد تتبعها بعض الشركات المغمورة للحصول على هذه المعلومات هو سرقتها من قواعد بيانات عامة أو خاصة أو التشجيع على سرقتها بشكل غير مباشر من خلال الموافقة على شرائها. هناك طرق اخرى ايضا قد لا يدركها اكثرنا وهي عن طريق تقديم حملات ترويجية من خلال بعض شركات التجزئة يستطيع من خلالها الزبائن الدخول في سحب على جوائز قيمة كالسيارات والأجهزة المنزلية أو قد تتعدى ذلك إلى سوق العقار كالحصول على شقة أو منزل فخم في منتجع على البحر وغيرها من الهدايا المشجعة. طبعاً معظمنا سيسعى الى تعبئة تلك الإستمارة أو القسائم بمعلومات صحيحة مئة بالمئة ليس فقط عن شخص واحد في العائلة بل ربما عن كل فرد في الأسرة قد نعتقد انه مصدر للتفائل. السؤال هنا ماذا سيكون مصير هذه القسائم بعد الإنتهاء من الحملة الترويجية؟ صدقوني اخواني واخواتي القرّاء ليس دائما الى القمامة بل هناك جهات خاصة تهدف لإستخدام هذه القسائم لتكوين قواعد بيانات بمعلومات الزبائن تعرض للبيع من خلال الإنترنت. أذكر انني استلمت العديد من العروض للحصول على مثل هذه البيانات لمستخدمين من دولة الإمارات المتحدة في فئات مختلفة تباينت أسعارها من بضعة مئات إلى آلاف الريالات. هل تعلمون الآن سبب استقبالكم لتلك المكالمات الدولية المجهولة بين الحين والآخر؟

الاثنين، سبتمبر 19، 2011

أساسيات الثقافة أو ثقافة الأساسيات


ذكرنا في مقالة سابقة أن علينا اليوم جميعاً أن نسعى لمعرفة كل شيء عن شيء واحد في الحياة وهو ما يعرف بالتخصص العلمي أو الأدبي، كما يجب علينا أيضاً أن نتعلم شيئا واحدا على الأقل عن بقية الأشياء وهو ما نسميه اليوم أيضاً بالثقافة العامة. الظاهر أنه ومع تعدد التخصصات اليوم وتطور الحياة وتعقدها في بعض الأحيان أصبحت معرفتنا لشيء واحد فقط عن بعض الأشياء غير كافية وأن هناك حد أدنى للثقافة علينا جميعاً أن ندركه وأن نتعلمه وإلا نزلنا إلى درجة السذاجة والبلاهة. نعم أخواني القرّاء فكم هي عدد المرات في الحياة التي أحسستم فيها بالجهل وقلة المعرفة وبأنه قد تم استغلالكم في كثير من المواقف. انظر ماذا يفعل أغلب قائدي المركبات عند تعطل سياراتهم في الشارع والذي لا يتجاوز في أغلب الأحيان رفع غطاء المحرك وتأمل ما تحته بنظرة كلها حيرة وارتباك. الأمر الذي سيزداد سوءاً عند نقل السيارة إلى إحدى ورش العمل وسماعنا لقائمة التصليحات المطلوبة والتي عادةً ما نوافق عليها (مجبرين) رغم تشككنا في مصداقيتها، فكيف لنا ان نجادل دون معرفة. ولنتذكر عدد المرات التي زرنا فيها بعض المستشفيات أو المراكز الصحية وكيف أننا تقبلنا وصفة الطبيب من الأدوية بصدر رحب دون علمنا بمحتواها أو بأضرارها الجانبية. حتى أن بعض الأطباء والصيدلانيين أصبحوا لا يتكلمون معنا عن ماهية العلاج الموصوف إما لعلمهم بجهلنا أو ليأسهم من استيعابنا. ليس ذلك فحسب، فلنتأمل في العديد من أخطائنا وإخفاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية. فكم من العلاقات الزوجية التي بدأت بأخطاء وانتهت بمشاكل ولا داعي للتفصيل. وانظر في بعض علاقاتنا الاجتماعية كطرق التهاني والتعازي والتي أثقلت في بعض الأحيان كاهل الناس اقتصادياً. فنراهم يسرفون في الصرف بحجة أن المجتمع يفرض عليهم ذلك .

أذكر أنني كنت في زيارة لأحد المرضى في احد مستشفياتنا في السلطنة والذي كان يعاني من مرض عضال أرقده الفراش لسنوات عديدة. جميعنا نعلم بأن زيارتنا للمريض يجب عليها ان تخفف عنه آهاته لا ان تزيد الطين بله. تفاجأت كيف كان اهل هذا المريض يزورونه بوجوه عابسة حزينة تشعر الصاحي بالمرض والكآبة فما بال المريض. ناهيك طبعاً عن التعليقات الحزينة المخيفة والتي تؤثر بشكل كبير على نفسية المريض وبالتالي في سرعة تعافيه. وانظر في اولئك الذين يتجاوزون التعليمات ويخبئون انواع الطعام ليعطوها للمريض، أو اولئك الذين لا يراعون حالة المريض الصحية فنراهم يطيلون البقاء عنده ويكثرون من الاحاديث الصاخبة وأولئك الذين يصرون على إيقاظ المريض للسلام عليه بحجة انه سيزعل ان لم يفعلوا متناسين القول الشهير «رحم الله من زار وخفف». كل ذلك في وادٍ ونسبة تزايد عدد المرضى بالسكري وارتفاع ضغط الدم في وادٍ آخر. الأمر الذي يأخذنا الى مستوى آخر من الثقافة وهي الثقافة الغذائية أو الصحية، فلننظر في أسلوب حياتنا وأنواع الأغذية التي نـأكل رغم علمنا أحيانا بضررها. الأمثلة كثيرة أخواني القرّاء وقد تختلف حدتها من شخص لآخر. ليس المقصود أننا جميعاً نفتقر لجميع انواع الثقافة، فهناك من الشباب من يستطيع إصلاح سيارته بنفسه وهناك من لا يستطيع تغيير مصباح صغير في بيته دون الاستعانه بكهربائي مختص. لذلك نرى كثيراً من الأيدي العاملة الوافدة اليوم باتت تتصيد قلة الثقافة والهمة عند الكثير منا لتحقيق مكاسب مادية كبيرة. فكم عدد الذين يهربون من أربابهم يومياً وكم عدد الوافدين الذين تعلموا انواع المهن كالسباكة واعمال الكهرباء والبناء البسيطة وغيرها بسبب حاجتنا لها أو بالأحرى قلة تثقفنا .

ليس المطلوب اخواني القرّاء أن نتخصص في كل أمور الحياة ولكن علينا النظر في نمط حياتنا واختيار الجوانب المهمة فيها. فهناك جوانب على الجميع معرفتها بشيء من التفصيل كالجانب الصحي مثلاً وهناك أمور تكفي معرفتنا لها بشيء من السطحية كالمناخ والفلك مثلا، إلا ان كانت طبعاً من ضمن نطاق عملنا. كما ان هناك اساسيات يجب علينا تعلمها عند احساسنا بالحاجة اليها. فعلينا تعلم بعض أساسيات صيانة السيارة قبل شراء واحدة أو مع شروعنا في الحصول على رخصة قيادة، وعلينا تعلم اساسيات تربية الأبناء قبل الزواج وقيسوا على ذلك. وعلينا جميعاً أن نعلم بأن الوقت ليس متأخرا لتدارك ما فاتنا مهما طال بنا العمر. فمع التخطيط السليم وعلو الهمة، يمكن لنا أن نخصص أوقاتاً لنتدارس ما ينقصنا من أساسيات الثقافة، عندها فقط نستطيع ان نكتسب ثقافة الأساسيات.

الثلاثاء، سبتمبر 13، 2011

التخطيط يا ناس


أكثرنا يعلم علم اليقين أن التخطيط هو بداية الطريق للنجاح وأغلبنا كذلك قد سمع ورأى قصص نجاح لأناس آخرين كان من أهم أسبابها التخطيط السليم. فهم بذلك قد إنتقلوا من علم اليقين إلى عين اليقين ولكن للأسف قليلون هم من تطور بهم الحال إلى أن يؤمنوا بالتخطيط حق اليقين، أي يعلموا بالتجربة (وهي خير برهان) أهمية التخطيط ليس فقط للنجاح في الحياة بل للحياة بشكل عام. لذلك نرى الكثيرين منا لا يتجاوز تخطيطهم في الحياة تخطيط يومهم الذي يعيشونه وعند سؤالهم عن السبب فالإجابة المعروفة والمعهودة للكثيرين هي "ياخي مشي حالك". فتمشية الحال هنا أن تريح تفكيرك من كل ما يقلق البال أو بالأحرى أن تريح دماغك وعقلك قدر المستطاع من التفكير بشكل عام، فإن كان كذلك فمرحباً بالفشل.

في حديث لي مع أحد سكّان محافظة ظفار عن الخريف هذا العام والتسهيلات المتاحة للزوار، أخبرني بالعديد من المواقف المحزنة التي وقعت لبعض الزوًار والتي كان من أهم أسبابها ثقافة "مشي حالك". فهناك من العائلات من قضوا الساعات الطوال في محاولة إيجاد سكن مناسب وهناك من إنتهى بهم المطاف للمبيت في السيارات وهناك من تفاجأ وإشتكى من كثرة الأوحال في الطرق الجبلية والتي تسببت في توسيخ سياراتهم وملابس ابنائهم وهناك من رجع متذمراً من قلة المراكز التجارية أو المطاعم العالمية وغيرها من السلبيات التي إن دلت على شيء لدلت على قلة الوقت والجهد المبذولان عند التخطيط للرحلة. فهناك من يكتفي فقط بالسؤال عن المنطقة (زينة ولا ما زينة؟) وبعدها يشد الرحال دون أدنى تفكير عما تتطلبه الرحلة من نفقات وأساسيات يجب الإحتياط لها ومعرفتها قبل الشروع بالسفر. أنظر أيضاً إلى ثقافة "مشي حالك" بين العديد من الطلبة الذين يتخبطون في إختياراتهم وقراراتهم في حياتهم العلمية. فنجدهم يفتقرون للتوجيه السليم من داخل البيت وخارجه، فالوالدان يبذلان (في أفضل الأحيان) الكثير من الجهد والوقت والمال لتوفير سبل العيش الكريمة والرعاية الأسرية اللازمة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، متجاهلين أو متناسين في كثير من الأحيان أهمية بناء الفكر والتي باتت تقرن وتلقى على عاتق التعليم والمدرسة فقط. فبقدر أهمية الرعاية الأسرية تأتي كذلك أهمية التربية وصناعة الشخصية السليمة المتوازنة القادرة على مواجهة تحديات الحياة بالتخطيط السليم المدروس والقابل للقياس.

لا تقتصر أهمية التخطيط على الجانب الشخصي بل تتعداه إلى جوانب أكثر أهمية وتأثيراً كالجانب المهني والذي يؤثر بشكل مباشر على مستقبل الأداء العملي للمؤسسات والدول. نعلم جميعاً أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف يمكن لمن لا يحسن التخطيط لعائلته أو لميزانيته أن يخطط لقسم أو مؤسسة؟ ففي الجانب العملي نجد بعض الأحيان تباين أهداف المؤسسات والدوائر المختلفة، خصوصاً الحكومية منها. فبالرغم من إتضاح خطة السلطنة الخمسية للكثير من العاملين في القطاع العام، إلا أن دور كل قسم ودائرة من كل وزارة في تحقيق هذه الخطة قد يكون غير معروف أو مبهم في أغلب الأحيان وقد لا يتجاوز هدف بعض الأقسام في بعض المؤسسات الحكومية إستمرارية العمل بدلاً من تطويره (مشي حالك يعني). ناهيك طبعا عن ربط الخطط الخمسية بالخطة الإستراتيجية للبلاد (رؤية 2020) وها نحن نقترب منها بسرعة فكم حققنا منها يا ترى؟ وأنظر إلى العديد من المحلات التجارية والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تم إغلاقها في مدة زمنية قصيرة من إفتتاحها، فما هي الأسباب؟ ربما الإجابة كالمعتاد (مشي حالك).



صدقوني يا أخواني وأخواتي القرّاء لقد كثر الحديث عن أهمية التخطيط في الحياة ككثرة الحديث والتنبيه بمخاطر التدخين دون جدوى كبيرة تذكر والسبب يكمن ربما في تركيزنا على الكلام وإهمال الجانب العملي في تفعيل وزرع فكر التخطيط فينا وفي الناشئة والأجيال القادمة. فعلينا أن نعي جميعاً أن مسقبل بلدنا ليس في مواردها الطبيعية بل في مواردها البشرية والتي يعوّل عليها الكثير. فأطفال اليوم هم قادة الغد وعلينا أن نؤهلهم بكل ما تحمله كلمة "تأهيل" من معنى لحمل الراية وتحمل المسؤولية بمنهجية علمية بما يضمن توظيفهم الصحيح في المستقبل وإستغلالهم الأمثل لمقومات البلد الإقتصادية. فلا يكفي أن نعلم بأهمية التخطيط بل علينا أن نبدأ بالتجربة عن طريق تخصيص بعض الوقت والجهد للتخطيط لجميع أو بعض جوانب حياتنا. فالساحة مليئة بالندوات والدورات والكتب المطبوعة والمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت التي تفيدنا إما بشرح إستراتيجيات علم التخطيط أو بتوفير المعلومات المطلوبة قبل إتخاذ القرارات أو البدأ بأي مشروع، عندها فقط سنبدأ بالتلذذ بحلاوة نتائج التخطيط. يقول الخبراء أن ساعة من التخطيط ستوفر علينا أربع ساعات عند التنفيذ، أذلك خير أم ثقافة مشي حالك؟