الاثنين، يونيو 20، 2011

نظم بيئة المحمول

لم يعد عالم المحمول مقتصراً على الأجهزة التي نشتريها فحسب فهناك اليوم العديد من العوامل والعناصر المتداخلة والتي تؤثر في اختيارنا لهذه الأجهزة وفي نجاح الشركات المصنعة لها والشركات الداعمة لشبكات المحمول. فنجاح الهواتف المحمولة سابقاً كان يعتمد على صلابة الإنتاج ومدة الضمان وربما في سعر الجهاز بالمقارنة مع بقية الأجهزة من نفس الفئة. أما اليوم ومع تزايد عدد الشركات المنتجة للأجهزة المحمولة والتي تتنافس في إنتاج أشكال وألوان مختلفة من الهواتف بميزات تتشابه مع بعضها في أغلب الأحيان، بات من الضروري استحداث منظومة جديدة للتنافس تقوم على مبدأ الشراكة والتحالف بدلاً من العمل الفردي. فعند التأمل في تطور الأجهزة المحمولة منذ بدايتها في التسعينات نستطيع الجزم اليوم بأن التنافس في إنتاج أجهزة جديدة بمزايا إبداعية اليوم وصل إلى حد التشبع (تقريباً) بحيث لم يعد الاختلاف بين الأجهزة في مختلف الفئات بالشيء الكبير. نعم هناك تقنيات جديدة ومبادرات مختلفة من بعض شركات التقنية والمؤسسات البحثية كأمثال الجهاز الجديد من شركة أل جي (LG) المسمى بـ (Optimus 3D) والذي يتيح للمستخدم تقنية تصوير الفيديو بشكل ثلاثي الأبعاد وهناك أيضاً الهاتف المخفي من فكرة وتطوير المعهد الألماني (Hasso Plattner) والذي يعتمد على مبدأ التحكم بجهاز الهاتف عن طريق لمس اليدين بدلاً من الهاتف نفسه واختراع المحمول المرن من شركة سامسونج وغيرها كثير من الأفكار الإبداعية الجديدة والتي لا تجد حالياً من يحتضنها أو تواجه بكثير من المعوقات غير الفنية للانتشار. جميع هذه الاختراعات وغيرها هي بداية لموجة من الإبداعات والتي لابد أن تُدعم بعناصر أخرى في منظومة متكاملة تخدم جهات مختلفة تسمى عادة نظام بيئة المحمول (Mobile Ecosystem).

طوّرت بعض كبرى شركات التقنية نظما خاصة بها تعتمد على تعاونات مشتركة مع شركات أخرى منتجة للأجهزة وأخرى مطورة للبرمجيات وشركات تعمل على البنية الأساسية للمحمول والتي عادة ما توفر خدمة الاتصالات اللاسلكية أيضاً. من أشهر بيئات المحمول اليوم بيئة شركة أبل الأمريكية من خلال نظام التشغيل الـ(iOS) وبيئة شركة جوجل ونظامها مفتوح المصدر (Android). فعند شرائنا لجهاز آي فون مثلاً نجد أن توافر البيئة المناسبة للجهاز كالعدد الكبير من البرمجيات المتاحة والكتب المتوفرة من خلال دور النشر والمجلات والصحف من المؤسسات الإعلامية المختلفة بالإضافة طبعاً إلى تكامل الجهاز مع أجهزة الشركة الأخرى كالحاسوب المحمول والحاسوب المكتبي أو حتى تلفاز آبل يضيف ميزة إضافية للجهاز قد تكون السبب الرئيسي وراء شراء المستهلكين للجهاز. أضف إلى ذلك أن الشركة الأم أيضا (آبل) تسعى لعرض هاتفها من خلال تحالفات مع شركات المحمول في بعض البلدان. ففي الولايات المتحدة مثلاً تأتي هذه الأجهزة مغلقة على شبكة محمول واحدة أو أكثر. في المقابل لا يدفع الزبون ثمن الجهاز كاملاً بل ربما فقط ربع الجهاز مع اشتراك في خدمات شركة المحمول لمدة سنة أو سنتين. نجد ذلك واضحاً أيضاً في هواتف الآي فون المتوفرة في الإمارات المتحدة من خلال شبكتي اتصالات ودو، بحيث لا تستطيع شراءهما إلا بعد اشتراكك في خدمات هاتين الشركتين. طبعاً الفائدة هنا واضحة لشركة آبل بحيث تستطيع بيع أكبر كم من أجهزتها بشكل أقرب إلى التقسيط، أما شركات المحمول فهي تكسب من ذلك بقاء المستهلكين على شبكاتها لمدة أطول (ولاء أكبر).

أما هواتف الأندرويد فقد انتهجت فيها شركة جوجل مبدأ البرمجيات مفتوحة المصدر بحيث أصبح بإمكان شركات الأجهزة من أمثال سامسونج وأتش تي سي وغيرها من تعديل نظام التشغيل (عادةً الواجهة) لإضفاء بعض الخصوصية للجهاز. الأمر الذي وفّر على كثير من شركات التقنية الجهد والمال في تطوير نظم بيئة محمول خاصة بها، كما هو الحال مع شركة نوكيا والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من استحداث بيئة محمول جيدة باسم (MeeGo) ولكنها آثرت الشراكة مع شركة مايكروسوفت لتطوير تحالف جديد يهدف للارتقاء بأجهزة شركة نوكيا الذكية ونظام تشغيل ويندوز فون 7 من شركة مايكروسوفت.

تعتبر سرعة تطور نظم تشغيل المحمول بالإضافة إلى شيوع انتشار الحواسيب الدفترية بين الناس اليوم هي من أهم سلبيات نظم بيئة المحمول. فمطوري برمجيات الهواتف يرغمون دائماً إلى تحديث برمجياتهم بما يتناسب مع تحديثات نظم التشغيل. أضف إلى ذلك طبعاً تطوير نسخ مختلفة تتناسب مع مزايا وقدرات الأجهزة الأخرى ونقصد هنا الحواسيب الدفترية كأمثال الآي باد وغيرها. فبالرغم من تطور نظام تشغيل الأندرويد اليوم ونجاح الهواتف الداعمة لهذا النظام نجد في الآن نفسه تعثر الحواسيب الدفترية الداعمة للنظام بسبب عدم توفر العدد الكافي من البرمجيات المطورة خصيصاً لهذا النوع من الأجهزة. فعلى سبيل المثال، تم مؤخراً في الشرق الأوسط تدشين جهاز البلاي بوك(PlayBook) من شركة رم (RIM) الكندية المصنعة لهواتف البلاكبيري الذكية والذي يعتبر من أجمل الحواسيب الدفترية التي تم تدشينها إلى الآن. فبالرغم من سلاسة الأداء وتناسق الواجهة والتفوق الواضح على أجهزة الآي باد، إلا أن نقص البرمجيات الداعمة لهذا النوع تسببت في قلة الطلب وعدم تحقيق الجهاز للنجاح المطلوب. الشاهد هنا أن تنافس الشركات لم يقتصر على الأجهزة بل أفرز لنا منظومات جديدة من العمل المشترك يتضمن شركات منتجة للهواتف وأخرى مطورة لأنظمة التشغيل وشركات برمجيات وأخرى مختصة بشبكات المحمول وموفرة للخدمات اللاسلكية. الأمر الذي جعلنا نرى هذا المستوى الجيد في جودة الخدمات بما يخدم المستهلك أولاً وباقي شركات التقنية ثانياً، لذلك علينا أولاً اليوم أن نتساءل عن بيئة الهاتف المحمول قبل السؤال عن المحمول ومزاياه.




الاثنين، يونيو 13، 2011

الجميع خلف التفاحة


يتساءل البعض عن سبب اختيار شركة أبل الأمريكية شعار التفاحة المقضومة بدلاً من تفاحة كاملة طازجة كشعار تجاري لها. حيث إن تلك القضمة قد توحي الى الاستخدام أو الاستهلاك وربما الفساد كون أن التفاح عادة ما يفسد (يتأكسد) بعد تقطيعه بفترة وجيزة. عند البحث في تاريخ الشركة نجد أن اختيار التفاحة تم للاستدلال على المعرفة والابتكار كون التفاحة أرشدت العالم اسحاق نيوتن الى اكتشاف الجاذبية كما هو معروف في القصة المشهورة. أما القضمة أو ما تسمى باللغة الانجليزية (Bite) فهي تتشابه في النطق (Homophone) مع الكلمة الانجليزية الأخرى (Byte) والتي تشير الى أصغر وحدة تخزينية في عالم الحاسوب ويستدل بها هنا على التقنية. الطريف في الأمر ان مصمم هذه العلامة التجارية (Job Janoff) قام برسم القضمة في البداية كوسيلة للتفريق الشكلي بين التفاحة والبندورة وليس لاستدلال على جانب التقنية. بغض النظر عن هذه الأسباب فالحقيقة اليوم تشهد بأن شركة ابل الأمريكية أصبحت اليوم الأولى عالمياً في جميع القطاعات التي تنافس فيها. ففي دراسة أجرتها مجلة الحاسوب (PC Magazine) الأمريكية عن اختيارات قرّاء المجلة لأفضل الحواسيب المكتبية والمحمولة، أظهرت الدراسة تفوق منتجات شركة أبل بشكل كبير عن أقرب منافسيها. نتكلم هنا عن حصول جميع منتجاتها على نسبة رضا تصل الى أكثر من 90 بالمائة في حين لا يتجاوز أقرب منافسيها عن نسبة 60 بالمائة ليس ذلك فحسب، فقد تبين ايضا أن مستخدمي حواسيب شركة ابل لا يحمّلون الشركة مسؤولية صلابة وموثوقية (Reliability) الأجهزة عند تعطل أجهزتهم خلال السنة الأولى من الاستخدام على عكس مستخدمي الحواسيب الأخرى في بيئة ويندوز. مما يشير الى حب المستخدمين للشركة ومنتجاتها وولائهم الكبير لها. الأمر الذي ساهم في ارتفاع قيمة التفاحة المقضومة كعلامة تجارية لتكون الأغلى في العالم بقيمة تجارية تقدر اليوم بـ 150 مليار دولار متفوقة في ذلك على شركة جووجل، الأولى عالمياً سابقاً.

أعلنت شركة أبل مؤخراً عن جديدها في عالم التقنية والذي (وللمرة المائة ربما) جعل معظم المنافسين يتساءلون كالعادة لماذا لم نفكر في هذا من قبل رغم بساطة الأفكار المطروحة. فمن أهم جديد الشركة التحديث الجديد لنظام تشغيل حواسيب الشركة المسمى بـ(OS X Lion) الذي تزعم الشركة أنه يحتوي على أكثر من 250 ميزة جديدة. وهناك نظام تشغيل أجهزة الآي بود والآي فون والآي باد المسمى (iOS 5) الذي جاء كذلك بمزايا جديدة أهمها برنامج الآي مسج (iMessage) والذي يهدد بشكل كبير برنامج البي بي مسنجر (BBM) في أجهزة البلاكبيري حيث إنه يعمل على شبكة المحمول وكذلك على شبكة الواي فاي (WiFi). أضف الى ذلك الخدمة الجديدة في قطاع الملفات الصوتية (iCloud) التي تتيح للمستخدمين شراء الملفات الصوتية خصوصاً الموسيقية منها عن طريق الانترنت وتنزيلها بشكل آلي على جميع أجهزتهم من نوع أبل كالآي بود والآي فون والآي باد في آن واحد. جميع هذه الاضافات الجديدة وأخرى كثير ستجعل المنافسين يشتغلون بجد في الأيام القادمة للمحاولة في تقديم شيء مشابه (في أغلب الأحيان) أو أفضل (نادراً). الأمر الذي يجعلنا نتوقف أمام نجاح شركة أبل غير المسبوق خصوصاً في السنوات الخمس الماضية والتساؤل عن أهم اسباب هذا النجاح الابداعي الذي لم يتح للمنافسين غير محاولة التقليد في أحسن الأحيان.

يشير العديد من الخبراء الاقتصاديين الى أن عام 2001 يعتبر العام الذي أيقظ المارد، حيث إن شركة أبل كانت قبل ذلك العام في أسوأ أحوالها. فاليوم مثلاً تباع أسهم الشركة بما لا يقل عن 300 دولار للسهم الواحد في حين أن أسهمها في عام 2001 كانت لا تتعدى العشرة دولارات. من أهم انجازات الشركة في عام 2001 التي ربما ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في النجاح الحالي للشركة هو منتج الآي بود (iPod) كجهاز مشغل لملفات الأغاني والموسيقى وبرنامج الآي تيونز (iTunes) لتشغيل ملفات الوسائط في حواسيب الشركة ونظام التشغيل (Mac OS X 10) للحواسيب وفكرة مخزن أبل (Apple Store) في عرض منتجات الشركة للمستهلكين. قد اختلف قليلاً مع هذا التحليل، فبالرغم من صحة تطور مستوى الشركة بعد عام 2001 الا أن تطورها لم يكن بقوة وسرعة التطور الذي شهدناه منذ عام 2007 وهو العام الذي دشنت فيه الشركة نسختها الأولى من جهاز الآي فون. أرى أن النجاح الحقيقي للشركة كان بسبب خوضها غمار قطاع الأجهزة المحمولة وابداعاتها المتوالية في هذا المجال خصوصاً مع استحداثها لفكرة البرمجيات الصغيرة من خلال خدمة مخزن البرمجيات (App Store). الأمر الذي أجبر المنافسين الى التحالف لمحاولة التغلب على هيمنة الشركة. أنظر مثلاً الى أجهزة الأندرويد اليوم سواءً الهواتف الذكية أو الحواسيب الدفترية التي تعتبر مزيجاً من التعاون بين شركة جووجل المطورة لنظام التشغيل وشركات أخرى مطورة للأجهزة كشركة سامسونج وأتش تي سي (HTC). مما يؤكد نظريتي هنا أيضا هو النجاح الكبير لأجهزة الشركة المحمولة كجهاز الآي فون يليه ربما جهاز الآي بود والآي باد على حد سواء والذين ساهموا في فتح أعين الكثير من المستهلكين خصوصاً في دولنا العربية على أجهزة الشركة الأخرى من أمثال الآي ماك (iMac) والماك بوك برو (MacBook Pro) والماك بوك اير (MacBook Air). انظر كيف زادت عدد محلات التقنية الموردة لمنتجات شركة أبل في السلطنة اليوم وانظر الى التوجه المتزايد لشراء منتجات شركة أبل فور توفرها بشكل رسمي في مختلف البلدان الذي يجعل الناس تصطف في طوابير طويلة للحصول على منتجات الشركة قبل غيرهم رغم ارتفاع أسعارها بشكل عام.


الاثنين، يونيو 06، 2011

فلسفة اتخاذ القرارات


لعل من أهم الأعمال التي نقوم بها يومياً دون أن نلقي لها بالاً في أغلب الأحيان هي عملية اتخاذ القرارات. فمنذ ساعات الصباح الأولى ونحن نواجه مواقف مختلفة تنتظر منا الاختيار واتخاذ القرارات العملية أو اللفظية. فقرار الذهاب إلى العمل مثلاً الذي قد يجده البعض أمراً مسلّماً به، يعتبر قرارا سريعا نابعا عن تحليل الكثير من المعلومات (اليوم والساعة والحالة الصحية وتوفر النقل وحالة الجو والظروف الاجتماعية وغيرها) مدعوم بمحفزات داخلية (أحياناً) وأخرى خارجية (غالباً). يشير خبراء التنمية البشرية إلى أن الإنسان يتأرجح في اتخاذ القرارات بين عاملين مهمين هما العقل والعاطفة واللذان نادراً ما يجتمعا في أحد القرارات. فعند الرغبة مثلاُ في شراء سيارة أو بناء بيت أو اختيار وظيفة أو تخصص دراسي أو الشروع في مشروع تجاري أو التخلي عن استثمار فاشل وغيرها من القرارات نجدنا عادةً ما نغلّب أحد هذين الجانبين على الآخر. فنجد من يفضل شراء السيارة الفارهة أو البيت الفخم بالأقساط المتعبة (عاطفة)، ونجد من يختار التخصص الدراسي على حسب حاجة السوق (عقل) وقيسوا على ذلك. الشاهد هنا أن عملية اتخاذ القرار الصحيح باتت اليوم من أهم المهارات وأصعبها على الناس مما جعلنا ننتهج أساليب مختلفة للوصول إلى القرار الصائب تتباين هذه الأساليب بين زيارة العرّافين في أسوأ الحالات والشورى في أحسنها.

يقوم اليوم كثير من الباحثين في علم الإدارة بدراسة عملية اتخاذ القرارات بين مختلف أصناف البشر والمؤسسات بأنواعها التجارية والحكومية بهدف تفسير العوامل المؤثرة في اتخاذ القرارات الصحيحة. فشغل الناس الشاغل اليوم في مختلف المهن التجارية والحكومية هو اتخاذ القرارات الأصح في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة. لذلك نرى توجه العديد من المؤسسات لاقتناء مختلف الأنظمة الإلكترونية التي تهدف إلى دعم عملية اتخاذ القرارات داخل المنظمات كأمثال أنظمة دعم القرار الإلكترونية (Decision Support Systems) وأنظمة الخبراء (Expert Systems) وأنظمة الرؤساء التنفيذيين (Executive Information Systems) التي تهدف جميعاً لتوفير المعلومات والمعرفة المناسبة في الوقت المناسب وللشخص المناسب وبالكم والكيف المناسبين لضمان صحة وفاعلية القرار. فالقرارات المتسرعة قد تكلفنا الكثير حتى وإن لم تكن خاطئة. الأمر الذي يشير إليه خبراء الاقتصاد بمفهوم تكاليف الفرصة (Opportunity Costs) وهو الفرق في الربح أو التوفير بين نتائج القرار الحالي والنتائج المتوقعة من فرصة اتخاذ قرار أفضل.

أجرى مؤخراً بعض الباحثين الدنماركيين التابعين لشركة الاتصالات الدنماركية تلينور (Telenor) دراسة عن تأثير روابط الصداقة بين الشباب في اختيارهم للمنتجات الإلكترونية من أمثال أجهزة الحاسوب والأجهزة اللوحية. حيث بيّنت الدراسة أن معظم الشباب اليوم يميلون لاختيار وشراء نفس الأجهزة التي يرونها مع أصدقائهم، أي أنهم يتأثرون إيجاباً وسلباُ بقرارات أصدقائهم في موضوع شراء الأجهزة الإلكترونية. فمثلاً عند شراء بعض الأصدقاء لنوعية معينة من الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب وغيرها، يؤثر ذلك عادة على بقية الأصدقاء الآخرين (بحسب قوة روابط الصداقة بينهم) مما يجعلهم يشترون نفس الأجهزة غالباً. لا يعتبر هذا بشيء جديد علينا فنحن نعلم منذ القدم أن (الصاحب ساحب) ونرى ذلك واضحاً بين الكثير من شبابنا فنرى الأصدقاء يرتدون الملابس نفسها ويرتادون نفس الأماكن ويهتمون بنفس الألعاب والهوايات وهو تفسير أيضاً للمقولة الشهيرة «الطيور على أشكالها تقع». الجديد هنا أن نعلم البعد النفسي والاجتماعي في عملية اتخاذ القرارات بشتى أنواعها التي قد تفسر لنا كثيراً من القرارات الناجحة والخاطئة على حد سواء. الأمر الذي يشجعنا لعمل المزيد من الدراسات لفهم أسباب اتخاذ القرارات بين الناس والمؤسسات بما يساهم في بناء الكفاءات البشرية مستقبلاً وتحسين عملية إصدار القرارات بشكل أكثر دقة وفاعلية.


يذكرني هذا ببحث آخر أجريته من خلال دراسة الدكتوراه عن النمطية/التنميط (Stereotyping) أو ما يسمى بالقولبة في التفكير بين مواطني دول الخليج وبناء القرارات على القيل والقال وكثرة السؤال. حيث بيّن البحث أن الشعب الخليجي بشكل عام والعماني بشكل خاص يميل إلى تنميط التجارب السيئة اجتماعياً وتجارياً بما يؤثر سلباً على سمعة الجهة المنمّطة. أضف إلى ذلك بناء القناعات والقرارات بين الناس بتأثير قوة الكلام (Words of Mouth) خصوصاً مع سرعة انتشار الشائعات والأقوال وتصديق الناس لها بشكل كبير. نجد ذلك ملحوظاً بين العديد من المواطنين اليوم خصوصاً فيما يخص الأنظمة الإلكترونية التي تعاني من قلة الاستخدام لعدة أسباب من بينها عدم ثقة المستخدم في النظام الإلكتروني أو في الجهة المنفذة. الشاهد هنا أن هذه العوامل (وأخرى أيضاً) عادةً ما تؤدي إلى تهميش الفكر والهوية والشخصية بين الشباب عامةً مما يجعلهم في أحيان كثيرة يتخذون قرارات غير صائبة أو متسرعة مبنية على جمود في التفكير وعدم قدرة أو رغبة حقيقية في التغيير إلى الأفضل. يذكرنا هذا بمثال الفرق بين القرش والديناصور الذي يستخدمه خبراء التنمية البشرية. فبالرغم من نشوء هذين الحيوانين في نفس الفترة الزمنية من تاريخ الكرة الأرضية، إلا أن القرش استطاع التأقلم مع المستجدات ومقاومة التغيرات الكونية والزمانية بشتى السبل (القرارات) في حين لم يستطع الديناصور تكملة المشوار وانقرض بسبب افتقاره للمرونة في التفكير. لذلك (إن صح هذا المثال) علينا جميعاُ أن نكون قروشاً عند اتخاذ القرارات وأن لا نتشبه بجمود فكر الديناصورات فننقرض.