الاثنين، مارس 24، 2014

التجارة الاجتماعية في السلطنة

 
تحدثنا في المقالة السابقة عن ريادة الأعمال في السلطنة وضرورة مراعاة الجانب الفكري للمتدربين عند محاولة تدريبهم وتأهيلهم ليكونوا رواد أعمال ناجحين. من المهم كذلك اليوم أن يدرس صناع القرار الاختلافات والتطورات في هذا المجال عما كان عليه الحال في القرن الماضي. فالتقنية الحديثة والأجيال الرقمية التي بدأنا نتعامل معها والتنافسية الشديدة بين الشركات والدول تفرض علينا نمطا بل أنماطا جديدة في ريادة الأعمال لا يمكن التغافل عنها. فالعمل من المنزل أصبح خيارا لدى الكثيرين وبات الناس عند الشراء يتصفحون مواقع الإنترنت وبرمجيات الهواتف النقالة أكثر من ترددهم على الأسواق، بل أصبح الهاتف والحاسوب اللوحي اهم صديق لنا وملاذنا اليومي للترفيه والتواصل المهني والاجتماعي وعند متابعة الأخبار والمستجدات. لذلك فالعمل الحر في بعض الأحيان اليوم لم يعد يشترط علينا العديد من المتطلبات المادية كاستئجار مبنى وتوظيف عمال ودفع رسوم وفواتير شهرية وذهاب واياب وما إلى ذلك. وأصبح اغلب الزبائن الذين يترددون على الأسواق يفضلون التسوق من البيت إن أتيحت لهم الفرصة. فإن كان العالم الخارجي يفرض علينا الكثير من الاشتراطات القانونية والمادية واللوجستية وغيرها، فإن العالم السيبرالي أو عالم التقنية يلغي كل هذه الحواجز ولا يشترط إلا البدء والجدية والمتابعة، فماذا ننتظر؟
 
لا يعتبر العمل الحر والعمل من المنزل بجديد علينا، فمنذ سنين طويلة ونحن نرى ربات المنازل يمتهن البيع والشراء بالتجوال بين بيوت الحي والأمثلة على ذلك كثيرة إلى يومنا هذا. بل أذكر أنه ومع بداية استجلاب القوى العاملة الوافدة، قامت بعض ربات المنازل باستغلالهم لحمل البضائع من بيت إلى بيت مستغلين في ذلك تحرج الجيران من عدم الشراء واحتياج البعض الآخر وأهم من كل ذلك ملاءمة هذا الأسلوب لطبيعة البشر في حبهم للراحة وإعراضهم عن كل ما فيه عناء. تطور ذلك كله فأصبح هناك من يستقبل الزبائن في بيته لعرض منتوجاته والتسويق لها عن طريق التقنية الحديثة وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي فيما يسمى اليوم بالتجارة الاجتماعية. فقد أتاحت تقنيات التواصل الاجتماعي قنوات رخيصة وفعّالة للوصول إلى الزبائن والتواصل معهم وتلقي الطلبيات بما يهدد قنوات الترويج الأخرى. فالجيل الجديد هو جيل رقمي بكل المقاييس وعليه ترتكز التجارة الاجتماعية والتي توظف التقنية لأمور البيع والشراء وتقييم المعروضات والمشاركة بالآراء ونشر التجارب بما يمثل تسويقا بالمجان لأصحاب الأعمال من قبل الزبائن أنفسهم. وفي هذا نجد أمثلة محلية ناجحة ليس فقط بين فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة بل حتى على مستوى الأفراد. انظر مثلا لمواقع الإعلانات المبوبة الإلكترونية كموقع سوق السبلة العمانية وغيرها، وتأمل في موقع الفيسبوك والانستجرام وكيف بدأ العديد من الأفراد العمانيين والعمانيات وبعض المحلات الأخرى عرض منتجاتهم المنزلية والتجارية بشكل يسهل على الزبائن الوصول إليها وتقييمها للغير وربما توصية أصدقائهم للاستفادة منها. ناهيك طبعا عن مجموعات الواتساب واستغلالها لنشر الإعلانات التجارية والمنتجات المنزلية. لم يعد الأمر مقصورا على رواد الأعمال من فئة الشباب، بل حتى ربات المنزل ممن تعدين الخمسين والستين عاما فهناك من بدأن بالفعل بالترويج لمنتجاتهن عن طريق كبرى مواقع وبرمجيات التواصل الاجتماعي، وأتحدث هنا عن عمانيات.
 

كل ذلك وأكثر مما يحتم علينا اليوم النظر في تطوير وسائل التعليم والتدريب لتشمل التقنية الحديثة بجميع أبعادها وليس فقط التركيز على أساسيات الحاسوب والبرامج التخصصية. فمن المعلوم اليوم بأن أكثر من مليون ونصف شركة حول العالم قد قررت أن تفتح صفحة لها على الفيسبوك للتواصل مع الزبائن، كل ذلك بالتأكيد لسبب ولسبب مهم أيضا وهو الوصول إلى الزبائن حيث يتواجدون ويقضون الساعات الطوال. فمن المؤسف اليوم أن لا يعي الناس وأصحاب القرار أهمية التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي في التنمية والتطوير وان يقف منها الكثيرون موقف المتخوف أو المتردد. فلا مجال اليوم ان نضع استراتيجية او خطة تنفيذية دون ان تكون التقنية اهم العوامل المساعدة في نجاحها. فكيف ونحن نبحث وبشدة عن الحلول الناجعة لتقليل عدد الباحثين عن عمل وتشجيع ريادة الأعمال في السلطنة، ألا نجد في التقنية حلولا تتعدى الفرص التدريبية التي تتبناها أكثر مؤسساتنا في السلطنة؟

الاثنين، مارس 17، 2014

نحو استراتيجية وطنية لريادة الأعمال


من أكثر القضايا التي مازالت تقلق صناع القرار في السلطنة هي قضية التعمين وتوفير فرص العمل للعدد المتزايد من الباحثين عن عمل. فقد أشارت آخر الإحصاءات إلى أن عدد الباحثين عن عمل المسجلين في السلطنة تراجع من 150 ألف باحث عمل تقريبا في شهر ديسمبر الماضي إلى ما يقارب من 141 ألف باحث عمل في شهر يناير. فالعدد في تناقص بسبب الجهود الحثيثة المبذولة من الحكومة ولكنه يتزايد سنويا أيضا بسبب مخرجات التعليم العام والتعليم العالي. فقد أشارت إحصاءات وزارة التربية والتعليم إلى أن عدد خريجي الدبلوم العام في عام 2012 بلغ تقريبا 53 ألف طالب وطالبة، استطاع ثلثهم تقريبا فقط تحقيق نسبة 70% وأعلى وهو ربما النمط المتوقع أن يؤول إليه الحال في الأعوام القادمة ايضا. مما يعني أن أكثر من 35 ألف طالب وطالبة سنويا يجب أن توجد لهم فرص تدريبية وبعد ذلك فرص عمل في القطاع العام والخاص، ناهيك طبعا عن الوضع في مخرجات التعليم العالي مما يشكل عبئا كبيرا على الحكومة والمسؤولين ويزيد من اجمالي عدد الباحثين عن عمل. لن تستطيع الحكومة الاستمرار في إيجاد الفرص الوظيفية لهذا العدد المتزايد وهو ما أشارت إليه التوجيهات السامية في هذا الخصوص وحضت القطاع الخاص على أن يقوم بدوره. لذلك تتجه الأنظار بطبيعة الحال إلى القطاع الخاص الذي يشهد هو الآخر تحديات في توظيف العمانيين في ظل افتقار معظمهم للمهارات المطلوبة في سوق العمل وأعراض أكثرهم أصلا عن الانخراط في القطاع، فما هو الحل يا ترى؟

تتوالى علينا المصطلحات والشعارات الاقتصادية والاجتماعية يوما بعد يوم بحسب استشعارنا لأهميتها مما قد يثير بيننا جدلا حول أبعادها وانعكاساتها على التنمية في البلاد. فنرى اليوم التركيز واضح على مصطلح (ريادة الأعمال) أكثر من غيره من المجالات التي شغلت فكر المختصين والمسؤولين سابقا. فمعظمهم اليوم يجدون فيه حلا وملاذا لتقليل عدد الباحثين عن عمل من جهة وتخفيف أعباء الحكومة في هذا الجانب من جهة أخرى. فالسلطنة تنوي في هذا الشهر استضافة الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ممثلة في المركز الوطني للأعمال بواحة المعرفة والذي من المقرر أن تشارك فيه أكثر من 138 دولة حول العالم. كما أطلقت غرفة تجارة وصناعة عمان قبل أيام مبادرة لتدشين نادي رواد الأعمال في السلطنة لتشجيع هذا القطاع، ناهيك طبعا عن العديد من المعارض التي أقيمت سابقا بهدف عرض مبادرات الشباب الحالية في هذا الجانب ولتشجيع الآخرين على العمل الحر. أضف إلى ذلك جهود هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وصندوق الرفد في دعم وتدريب العديد من الرواد بالإضافة إلى برنامج أساس في هيئة تقنية المعلومات والذي يهدف لاحتضان شركات التقنية الناشئة. لا يعتبر هذا التوجه والاهتمام مقصورا على محافظة مسقط فقط، فهناك حديث عن إقامة ندوة لريادة الأعمال في محافظة ظفار في الصيف بهدف وضع استراتيجية لريادة الأعمال في السلطنة بشكل عام وفي المحافظة بشكل خاص.
 



الشاهد هنا إخواني القراء هو في تشجيع الشباب العماني على تبني مبدأ العمل الحر وتكوين أعمالهم الخاصة بشكل استقلالي مستغلين في ذلك الدعم الحكومي في هذا الجانب والفرص الاقتصادية الواعدة التي توفرها مشروعات البلاد التنموية سواء كان ذلك في قطاع السياحة أو النقل أو الغذاء أو تقنية المعلومات وغيرها من القطاعات المربحة. للأسف لا يخلو كل هذا من الكثير من التحديات ففاعلية معظم برامجنا التدريبية ومبادراتنا في هذا المجال مازالت محل نظر، مما يحثنا على دراسة مبادرات القطاع الخاص في هذا الجانب على المستوى المحلي ومبادرات الدول الأخرى على المستوى الدولي. فهناك مبادرة انطلاقة من شركة شل العمانية والتي بدأت منذ عام 1995 واستطاعت إلى اليوم تدريب أكثر من ثمانية آلاف متدرب، وهناك مبادرة شراكة وإنجاز عمان ومركز الزبير للمؤسسات الصغيرة وغيرها من المبادرات الواجب الوقوف عليها ودراستها لوضع استراتيجية وطنية لريادة الأعمال في السلطنة لتغيير فكر الأجيال القادمة بحيث يكون العمل الحر هو الطموح بدلا من الوظيفة الحكومية. فهناك من يشكك في الجاهزية العامة للشباب العماني خصوصا النفسية والفكرية ويرى أن معظم برامجنا التوعوية والتدريبية لن تكون ذات جدوى إلا أن استطعنا أن نقف على احتياجات الشباب الفكرية أولا ومحاولة توجيهها وصقلها بشكل إيجابي قبل الشروع في أي شيء. لذلك قام أحد المراكز التدريبية في السلطنة باستحداث برنامج تدريبي باسم (تمكين) لإعداد رواد الأعمال في أربعة أشهر تهدف لصقل شخصية وعقلية الشاب أو الشابة العمانية بشكل قيادي وإيجابي أولا قبل البدء في تدريبهم على مهارات العمل الجوهرية، وهو العنصر الذي قد تفتقر له العديد من البرامج المشابهة. فالهدف هنا هو في التعامل مع عقليات وفكر الشباب المختلفة بشكل مختلف ومحاولة تعديل العادات السلبية والممارسات الخاطئة قبل الشروع في التدريب العملي، وهذا أهم ما نحتاجه اليوم.

الاثنين، مارس 10، 2014

التوجيه العكسي … فرصة للريادة

 
من أهم ما يشغل المسؤولين اليوم في السلطنة هو قضية التدريب والتأهيل والتوجيه الوظيفي خصوصا ونحن نسعى لإيجاد الفرص الوظيفية لآلاف الباحثين عن عمل والذين يفتقرون بشكل عام للكثير من المهارات المطلوبة في سوق العمل. الفكرة المعهودة عن التعليم والتدريب هي أن يسعى الإنسان لتلقي العلوم ممن هم أعلى منه خبرة ومعرفة والذين عادة ما يكونون أكبر منه في العمر ايضا، فالمثل المشهور يقول «أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة». جميعنا تلقينا معارفنا بأشكال مختلفة وغالبا ما كان المصدر أناسا أكبر منا في السن سواء في المدرسة أو الجامعة. حتى في العمل وأثناء تلقينا بعض البرامج التدريبية كان فرق العمر بيننا وبين المدرب لصالح المدرب غالبا. حتى عند تقارب العمر بيننا فلا يتجاوز ذلك بضع سنوات فقط، لذلك قد يصعب أن نتخيل اليوم حضور دورة تدريبية مع مدرب أصغر منا بعشرات السنين. كما يندر أن نجد من يحاول الاستفادة مهنيا ومعرفيا ممن هم أصغر منه سنا وربما خبرة ومعرفة، فهي إما قناعة بأننا أفضل ممن هم دوننا أو ربما عامل نفسي يصعب معه تقبل فكرة الجلوس أمام مدرب صغير قد ينعته بعضنا بـ «ولد يومين». بالطبع نعلم بأن موضوع العلم والمعرفة ليس مرهونا بالسن ولكن يصعب على بعض المسؤولين المتعلمين ذوي الخبرة اليوم تخيل فكرة استشارة من هم دونهم في المرتبة الوظيفية والذين عادة ما يكونون أصغر منهم بعشر سنوات وأكثر أو في عمر أبنائهم.

نشرت هذا الأسبوع هيئة تقنية المعلومات في موقعها الإلكتروني نتائج مسح النفاذ واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات في قطاع الأسر والأفراد لعام 2013 والذي شمل عينة عشوائية لـ 11 ألف أسرة خلال الفترة من 30 يوليو إلى 31 أكتوبر 2013م. تشير نتائج هذا المسح إلى تطور النفاذ التقني في البلاد فمعظم الأسر العمانية اليوم تعتمد على الهواتف النقالة بنسبة (90%) ومعظمها تمتلك حاسبا آليا أيضا بنسبة (80%) ونفس النسبة أيضا لمجموع الأسر التي لديها نفاذ للأنترنت. وفيما يتعلق بالمستخدمين الأفراد، فأظهر المسح بأن النسبة الأعلى استخداما للحواسيب هم فئة الطلبة (92%). ليس ذلك فحسب، فحتى النفاذ للأنترنت يتزايد بين شبابنا من بعد سن 15 ويعتبر موقع الفيسبوك للتواصل الاجتماعي الأكثر استخداما يليه موقع تويتر. كل ذلك مما يشير إلى وجود جيل الألفية (Millennials) بيننا وهم جيل الشباب من مواليد 1977 إلى عام 1997 حسب التعريف الأكثر شيوعا عالميا. كما يسمون أيضا بجيل الواي (Generation Y) على غرار جيل الأكس (Generation X) وهم الجيل الأكبر سنا من مواليد 1960 إلى عام 1980. طبعا يمتاز جيل الألفية بخصائص مهمة تمت دراستها من قبل العديد من الباحثين ومن المهم اليوم أن يقف عليها صناع القرار والذين ينتمون غالبا لجيل الأكس أو ما قبلهم.
 

لسنا هنا لمناقشة جيل الألفية ولكن الشاهد بأن هذا الجيل بات يشكل أغلبية في الكثير من مؤسساتنا الحكومية والخاصة وعلى المسؤولين الاستفادة منهم ليس فقط مهنيا بل أيضا في تدريب وتوجيه من هم أكبر منهم وهذا ما يسمى بالتوجيه العكسي (Reverse Mentoring). نعم إخواني القراء، فالتوجيه أو التدريب العكسي اليوم أصبح من أسس التطوير المهني والوظيفي والمعرفي عالميا وأصبح صناع القرار يلجؤون لمن هم أصغر منهم سنا في كثير من المجالات لأنهم ببساطة أكثر منهم اطلاعا ومعرفة في تلك المجالات. انظر مثلا إلى شبكات التواصل الاجتماعي اليوم وتأثيرها الواضح على مجريات الأعمال والفئة الأكثر استخداما لها وانظر إلى فئة الآباء بشكل عام وقارن معرفتهم بمختلف برمجيات الهواتف خصوصا الألعاب ومعرفة أبنائهم لها. وانظر إلى التقنيات الحديثة والناشئة وأكثر فئات المجتمع علما ودراية بها. الأهم من كل ذلك هو الحياة العملية والتي نجد فيها المسؤولين وبسبب تزاحم الأعمال وكثرة الانشغالات قد لا يجدون سبيلا للإلمام بأحدث العلوم والمهارات الإدارية والتي قد يقدمها لهم الموظفون الجدد من جيل الألفية أو جيل الناشئة على طبق من فضة إن أحسنوا التعامل معهم. لا ندعو هنا إلى تهميش الخبرات والتقليل من شأنها، ولكن قضية الإلمام بكل ما هو جديد قد يصعب علينا مع زيادة العمر وتكدس المهام الوظيفية مما يحتم علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مبدأ التوجيه أو التدريب العكسي دون حرج. فمن أكثر ما ينصح به اليوم في عالم القيادة والإدارة هو أن يتخذ المسؤولون وصناع القرار مدربين عكسيين من جيل الألفية أو ممن قبلهم يتحدثون ويلتقون معهم بشكل شهري لمحاولة معرفة ما فاتهم من معرفة وتقنية وحلول عملية في زحمة الأعمال اليومية.