الاثنين، فبراير 20، 2012

نحو استراتيجية وطنية قابلة للقياس




بدأت السلطنة بالتخطيط الإستراتيجي منذ عام 1996م عندما تبنت رؤية (عمان 2020) والتي تم اعتمادها من خلال مرسوم سلطاني صدر في منتصف التسعينات من القرن الماضي. تضمنت هذه الرؤية عدة محاور مركزية حول تطوير مختلف جوانب الإقتصاد العماني. وعلى الرغم من كثرة المنشورات والتعليقات والإقتباسات الإعلامية والإقتصادية من وإلى هذه الرؤية المستقبلية للبلاد، إلا أن حاجتنا اليوم ماسة لضرورة الوقوف على هذه التجربة الرائدة لتقييم ماتم تحقيقه منها والنظر في بعض الأخطاء التي قد نكون وقعنا فيها من أجل صياغة إستراتيجية جديدة للبلاد ترسم الحقبة القادمة للسلطنة. قد لا أكون من المختصين في هذا المجال ولكن من خلال متابعتي للعديد من إستراتيجيات الدول والمؤسسات التجارية في العالم وقراءتي لكثير من المنشورات والمرئيات وسؤالي للعديد من المسؤولين والمواطنين حول هذا الجانب أستطيع أن أضع لكم اليوم تصورا عاما وخطوطا رئيسية ترسم الشكل المفترض (من وجهة نظري) لإستراتيجية السلطنة المقبلة.

بداية دعونا نستعرض أهم المآخذ المنتشرة بين معظم الناس في السلطنة حول رؤية عمان 2020 والتي تتمركز معظمها حول ضرورة تقييم ماتم إنجازه منها بشكل شفاف لا يدع مجالا للشك وبغض النظر عن توقعاتنا من نتائج التقييم أكانت إيجابية أم سلبية. وثانيا (وهو ربما السبب للمأخذ الأول) المتمثل في طريقة صياغة المحاور المختلفة في الرؤية والتي لا تساعد على القياس من جهة بالإضافة إلى كونها تحتمل عدة تفسيرات ووجهات نظر عند التطبيق من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال إليكم الهدف الآتي في الرؤية والذي يندرج تحت محور بناء الموارد البشرية في البلاد (بناء نظام تعليمي بعد مرحلة التعليم الثانوي والتعليم الفني يقوم على توفير التخصصات الرئيسية التي يحتاجها الإقتصاد الوطني وتوفير التسهيلات اللازمة لإجراء البحوث التطبيقية في جميع المجالات الإجتماعية منها والإقتصادية). بالرغم من أهمية هذا الهدف إلا أننا نجده عاماُ ويفتقر للقياس، كما يفتح المجال لوضع العديد من التكهنات والتوقعات والتحليلات المختلفة لماهية هذا النظام التعليمي ونوعية هذه التخصصات الرئيسية وشكل هذه التسهيلات. فمن المعلوم أن إدارات المؤسسات الحكومية بمختلف مستوياتها من المدير إلى الوزير تحتمل التغيير خلال فترة الإستراتيجية. الأمر الذي قد ينتج عنه تفسيرات مختلفة لمضمون مثل هذه الأهداف العامة تختلف باختلاف الإدارات المتوالية والذي بدوره يؤدي أيضا إلى تطبيقات ومشاريع مختلفة قد يلغي بعضها بعضا. الأمر الذي يساعد على إبطاء عجلة التقدم وبالتالي إلى تقليل ما تم إنجازه من الأهداف المرسومة. فنادرا ما ستسير القيادات الجديدة في المؤسسات الحكومية على خطى القيادات السابقة على الأقل من باب البحث عن الأفضل وتحسين الأعمال. لذلك فمثل هذه الأهداف العامة لا تساعد على توحيد الجهود بقدر ما قد تربك المنفذين وتزيد الحيرة والإختلاف حول تفسير المقصود من الأهداف. ومن المآخذ الأخرى على رؤية عمان 2020 هو في السلطة المكلفة بصياغتها والعمل على تطبيقها خصوصا بعد إلغاء وزارة الإقتصاد الوطني العام الماضي. فإن أردنا اليوم النظر في مختلف بنودها فأين يمكن لنا الحصول عليها؟ ولماذا لا تكون متاحة للجميع بشكل سهل كأن تكون منشورة على أحد المواقع الرسمية في الإنترنت؟ أليس المفروض أن نفاخر بها كونها من دعائم التخطيط الإقتصادي في البلاد؟ أم أننا إكتفينا فقط للإشارة إليها إعلاميا حتى لا يقال أننا نمضي دون خطة إستراتيجية؟ كل هذا وأكثر إخواني القرّاء مما قد يدور في وجدان الكثير منا، الأمر الذي جعلني أحاول في هذه المقالة صياغة تصور لشكل الإستراتيجية المستقبلية للبلاد كما ينبغي أن تكون.



أرى في البداية أن ننشئ مركزا أو جهة حكومية مفوضة للعمل والتخطيط الإستراتيجي في البلاد تندرج تحت سلطة عليا مخولة بتطبيق القرارات والأهداف وتقييم الإنجازات بما تتتضمن من عمليات المحاسبة والثواب. ثانيا العمل على تطوير خطة إستراتيجية جديدة للبلاد باسم عمان 2040 أو 2050 أو حسبما يراه المختصون بهدف تطوير القطاعات الرئيسية في البلاد بشكل قابل للقياس (كما وكيفا) مع التركيز على أهم (وليس جميع) القطاعات الإقتصادية، تلك التي تتميز فيها السلطنة كالسياحة مثلا. فمن المعلوم اليوم أن عصر العولمة وتوقيعنا للعديد من المعاهدات الإقتصادية الدولية يجبرنا للنظر في كيفية قياس إنجازاتنا ليس فقط مع إحتياجاتنا المحلية بل أيضا مع بقية دول المنطقة والعالم أجمع. فهناك العديد من القياسات العالمية التي قد تعطينا مؤشرا لنجاح خططنا وأعمالنا الإقتصادية بالمقارنة مع بقية الدول. فعلى سبيل المثال تم تقييم السلطنة في المرتبة 32 من أصل 142 بلدا حول العالم حسب مؤشر التنافسية العالمي العام لسنة 2011م متقدمة بمقدار مرتبتين عن العام السابق. وفي قطاع الصحة والتعليم الأساسي جاء ترتيبنا الـ 81، وفي قطاع التعليم العالي والتدريب حققنا المرتبة الـ 63، فماذا يعني لنا هذا في خطتنا الإستراتيجية الحالية، إنجاز أم إخفاق؟ ثالثا، ضرورة إدراج خططنا الخمسية تحت هذه الخطة الإستراتيجية مع العمل على تطوير خطط إستراتيجية مماثلة لكل جهة حكومية من أجل تحقيق الإستراتيجية العامة للبلاد. ستساعد هذه الخطط الوزراء الجدد عند إستلام مناصبهم الجديدة على العمل من حيث إنتهى السابقون بشكل لا يترك مجالا للشك أو الإختلاف دون تأخير لمسيرة التنمية والتطوير. كما يجب أن تشرف الجهة المسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي في البلاد باستمرار على تكوين هذه الخطط ومناقشتها مع المجالس الأهلية في الدولة كمجلس الشورى ومجلس الدولة بما يحقق ما يصبو إليه المواطن في هذه الأرض الطيبة. وأخيرا يجب مراعاة الأولويات والإحتياجات المحلية على الأهداف الإقليمية والدولية عند صياغة الأهداف بشكل محدد وواضح لتسهيل عملية التقييم الدورية والتي عن طريقها يمكننا أن نغير أو نستحدث أهداف جديدة (إستراتيجية) حسب المستجدات المحلية والدولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق