الجمعة، نوفمبر 19، 2010

جنون الترفيه والألعاب الإلكترونية


نبارك لكم بدايةً أعزائي القرّاء عيد الأضحى المبارك وتزامنه مع إحتفالات السلطنة بعيدها الوطني الأربعين، سائلين المولى أن يعيد هذه المناسبات السعيدة علينا والأمة الإسلامية تنعم بالأمن والرخاء ويحفظ لنا سلطاننا المفدى ويطيل في عمره أعواماً مديدة (آمين يا رب).

إنتشرت بين الكثير من فئات المجتمع اليوم ثقافة الترفيه والألعاب الإلكترونية من خلال العديد من الأجهزة الإلكترونية الحديثة والتي تتنافس فيها الشركات للحصول على نصيب الأسد في أحد أنجح قطاعات الأعمال في العالم. كيف لا وقد بينت آخر الإحصاءات أن مبيعات هذا القطاع فاقت 19 مليار دولار في نهاية عام 2009 في الولايات المتحدة الأمريكية فقط. كما تتوقع شركة برايس ووترهاوس كووبر (PricewaterhouseCoopers) من خلال تقريرها الأخير بعنوان "نظرة على الترفيه والإعلام من عام 2008 إلى 2014" أن يتطور هذا القطاع بنسبة 5% سنوياً ليحقق مبيعات عالمية قد تصل إلى 1.7 تريليون دولار في عام 2014. أما في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا فتقدر الشركة مبيعات قطاع الترفيه والألعاب أن تزيد عن 580 مليار دولار بحلول نفس العام.

لا تكمن أهمية هذا القطاع في المبيعات فحسب، بل قد يعتقد الكثير من المختصين في تقنية المعلومات اليوم أن قطاع الترفيه والألعاب بالتحديد هو السبب وراء العديد من التطورات التقنية التي حصلت وتحصل في هذه الأيام. خذ على سبيل المثال نظام التشغيل يونكس (Unix) والذي تم تطويره في نهاية الستينات من القرن الماضي أساساً بسبب رغبة المبرمجين في التسلي بلعبة السفر في الفضاء. أضف إلى ذلك بطاقات الصوت (Sound Cards) والتي تم إضافتها إلى أجهزة الحاسوب بدايةً لإضافة التأثيرات الصوتية المطلوبة في الألعاب الإلكترونية قبل إستخدامها لأغراض الموسيقى والملفات الصوتية. تأتي بعد ذلك بطاقات الفيديو والتي تطورت مزاياها بشكل أساسي لإشباع حاجات قطاع الألعاب والترفيه المتزايدة كأمثال ميزة واجهة المستخدم (GUI) وميزة تسريع الصور ثلاثية الأبعاد (3D Acceleration) وغيرها من المزايا.

ولننظر اليوم إلى أشهر الهواتف المحمولة في العالم من أمثال الآي فون وهواتف الأندرويد وكيف تأتي تطبيقاتها (Applications) ومزاياها لإشباع عامل الترفيه واللعب بشكل كبير. فما عليك إلا أن تتأمل في قائمة أكثر التطبيقات (Top Apps) إستخداماً في الآي فون مثلاً وسترى أن نسبة الألعاب أكبر بكثير من تلك الخاصة بالتطبيقات الأخرى. أظف إلى ذلك قطاع الحواسيب بشتى أنواعها والتي تتطور بشكل كبير لإحتواء أعلى كم من التقنيات والمميزات القادرة على تشغيل أكثر الألعاب تعقيداً وتشويقاً ولكي تحوي العديد من مزايا الترفيه الأخرى كالأفلام والملفات السمعية بأنواعها. ناهيك طبعاً عن أشهر الأجهزة المتخصصة في قطاع الألعاب اليوم مثل البلاي ستيشن (Play Station) والأكس بوكس (Xbox) والنينتدنو (Nintendo) وغيرها من الماركات التجارية التي تستطيع أن تبقيك سجين غرفتك أمام التلفاز لساعات طويلة بل ولأيام أيضاً كما سنرى لاحقاً. كل ذلك يجعلنا نتسائل عن مستقبل هذا القطاع والفوائد التي تجنيها المجتمعات والأفراد محلياً وعالمياً في مقابل هذه المليارات التي تُستهلك (وتهدر) في أغراض الترفيه وكأننا نعاني إجمالاً من كثرة الوقت وقلة الأعمال وإنحطاط الأهداف في الحياة.



من أكثر ما يقلقني في هذا الخصوص هو التأثير السيء لهذا القطاع على كل من أبنائنا ومجتمعاتنا المحافظة، فقد تبين أن أحد أكبر سلبيات قطاع الألعاب والترفيه هو مشكلة الإدمان والتي راح ضحيتها العديد من الأطفال والبالغين أيضاً ناهيك طبعاً عن تسببها في تهميش الفكر وضياع الأوقات الثمينة. ففي الولايات المتحدة وحدها والتي تعتبر من أكثر الدول تطوراً وإستخداماً للإلعاب الإلكترونية تم حصر العديد من قضايا القتل والوقائع المأساوية بسبب هوَس الألعاب خصوصاً تلك الألعاب التي تشجع على العنف. ففي عام 2007 تم إدانة أب بعد أن قتل إبنته البالغة عام ونصف غضباً بسبب كسرها لجهازه من نوع الأكس بوكس. وفي نفس العام أيضاً تم القبض على أحد المراهقين بعدما أطلق النار على أبويه وقتلهما بعدما أخذوا منه نسخته من لعبة هالو 3 (Halo 3) خوفاً عليه من الإدمان. وفي عام 2009 تم القبض على أبوين في كوريا الجنوبية تسببا في موت إبنتهما الرضيعة البالغة ثلاثة أشهر فقط (جوعاً) بسبب الإهمال وقضاء ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية. ليس ذلك فحسب، فالتأثير السلبي لهذا الإدمان ينعكس كذلك على اللاعبين أيضاً، ففي كثير من الدول حول العالم تسبب الإفراط في اللعب في موت اللاعبين أنفسهم بسبب التعب والإرهاق. ففي الصين مثلاً، مات مراهق بسبب اللعب المتواصل لمدة 15 يوماً دون توقف في أحد الإجازات المدرسية. كما توفي أيضاً أحد البالغين (عن عمر 30 عاماً) بسبب لعبه المتواصل أيضاً لمدة ثلاثة أيام. أظف إلى ذلك الكثير من عمليات الإنتحار التي قام بها اللاعبين بسبب حرمانهم من اللعب أو بسبب رغبتهم الغريبة والمشوشة في لقاء اللاعبين الآخرين على الإنترنت في الحياة الآخرة. كل ذلك مما يزيد الحيرة في كيفية التعامل مع سلبيات هذا القطاع. فإن تركناهم وما أرادوا، ماتوا من التعب وإن أخذنا على أيديهم إنتحروا أو أطلقوا النار علينا، فما هو الحل يا ترى؟ وما هي نهاية هذا الجنون؟

هناك 4 تعليقات:

  1. بارك الله فيك دكتورنا الفاضل
    نفتخر أنك عماني دكتور أتمنى أن توسع مدارك و وسع مداركنا بخطوة الى الامام وهي على سبيل الاقتراح فقط تقديم برنامج اذاعي أو تلفزيوني حول نظم المعلومات و الحكومة الالكترزنية

    ردحذف
  2. ما خاب فوك دكتوري الفاضل فعلا نلاحظ العنف و الحركات الغير طبيعية في أطفالنا و كأنهم ألات لا يفقهون سوى الحركة و التدمير فقدنا براءة الطفل الحقيقية نلاحظ في بعض الالعاب تعري الشخصيات ناهية عن بعض الإيماءات بالعلاقات المحرمة

    و لكن في الحانب الاخر توجد بعض الالعاب التي تنمي طريقة تفكير الطفل على سبيل المثال من أي جهة يصل الى نهاية اللعبة و كيف سيقضي على العدو من نقطة عفه ....الخ


    نرجو من الاباء مراقبة ما يلعب به ابنائهم و انتقاء كل لعبة لها مغزى فكري هادف

    ردحذف
  3. أحييك أستاذنا على هذا الإبداع. كثيرا ما أهمتني هذه القضية أبناءنا والتقنية.فعلا ففي فترة من الفترات انتشرت مثل هذه المشاكل في أوساط مجتمعاتنا ولكن في نهاية المطاف يبقى الآباء هم محور هذه القضية. نحن نرى دائما ان الآباء يفتخروا عندما يكون أبنائهم ملّمين بالتكنولوجيا فنراهم يتسابقون الى المحلات والمتاجر الالكترونية التي لها صيتا كبيرا في العالم من أجل اقتناء الألعاب الالكترونية لهم. نحن لم نقل شيئا في هذا بل على العكس نشجع من أجل صناعة جيل قادر أن يتعامل مع التكنولوجيا. لكن أفر لأبنائي مثل هذه الالعاب وأترك الحبل على الغارب لا رقيب ولا حسيب فهذا نوعا ما نعاتب عليه. فلا بد أن تكون هناك نوعا من المراقبة حتى نوازن بين هذا وذاك.

    ردحذف
  4. سلمك الله أيها الفاضل .. ولي هنا إضافة متواضعة

    إن ما ذكرته عن جنون وهوس الألعاب الالكترونية هو في حقيقة الأمر حلقة في سلسلة طويلة من التمتع والتلذذ بالملذات الدنيوية في مجتمعات أصبح نموذج الحياة العلمانية يهيمن على نمط حياة الأفراد فيها، فالإنشغال بهكذا أمور مسلية مصدره الرغبة في التخفيف عن النفس كل تلك المشاكل والأمراض النفسية التي تنتجها الحياة الدنيا في النفس الإنسانية ولكن بشكل مادي محسوس. فما يخفف الآلام والمشاكل النفسية يكون بالأساس إما ماديا أو روحانيا أو عاطفيا، وفي المجتمع المتخذ من العلمانية نظام عيش اجتماعيا يكون من الطبيعي اللجوء إلى هكذا أمور مادية مسلية للتخفيف على النفس تلك الأعباء الثقيلة للحياة المادية والترفيه عنها.
    وأمر كهذا قد يطرح مشكلة اجتماعية كبيرة، فالتعامل الكثيف مع أمور مسلية بسيطة كهذه الألعاب قد يولد لدى الإنسان الجهل والتسطح الفكري، ومن ثم يتولد نظام المعيشة السطحي القائم على التفكير بصورة مباشرة محسوسة بدون الحاجة إلى إعمال الذهن بشكل عميق والتفكر والتأمل.
    ربما لهذا السبب يتحدث الكثيرون عن أن الشعب الأمريكي هو من أجهل الشعوب على الأرض، حتى في المجتمع الأمريكي نفسه، ففي مقابلات ميدانية أجرتها قناة تلفزة أمريكية وسأل المذيع فيها بعض الأسئلة التي من المفترض أن تكون معروفة لدى العامة، تفاجأنا كما تفجأ الكثيرون ممن شاهدوها أن المسؤولين لا يعرفون شيئا البتة عنها.

    ردحذف