الاثنين، نوفمبر 23، 2009

تجارب الدول المتقدمة في الحكومة الإلكترونية

إنتشرت تطبيقات الحكومة الإلكترونية حول العالم إنتشاراً واسعاً والتي يمكن أن تصنف حسب نسبة فاعليتها وكفاءتها إلى تطبيقات ناجحة وأخرى غير ناجحة. فالنجاح هنا غير مرهون بالجانب التقني فقط، فهناك دول متقدمة تقنيا وتكنولوجياً عانت كثيراً في إقناع مواطنيها في تبني مبدأ التعامل الإلكتروني مع الجهات الحكومية. وهناك دول أقل تطوراً كدولة أستونيا مثلاً فاقت دول أخرى أكثر نمواً كألمانيا حسب ترتيب الأمم المتحدة لجاهزية دول العالم للحكومة الإلكترونية لعام 2008م، مما يجعلنا نتسائل عن السبب. لعل من أهم هذه الأسباب هو إستفادة هذه الدول (الأقل تطوراً) من تجارب الدول الكبرى التي قامت بأخذ زمام المبادرة أولاً. فقد عانت الدول الأولى المطبقة للحكومة الإلكترونية من بعض القضايا والمعوقات الفنية والغير فنية مما إضطرها في أحيان كثيرة إلى إلغاء وتعديل وتحسين الكثير من المشاريع من أجل تقليل تأثير هذه المعوقات. أما الدول التي بدأت بالتطبيق لاحقاً، فقد إستفادت من هذه التجارب وبدأت بخطوات ثابتة ورؤية واضحة لمعظم القضايا المحيطة بمصطلح الحكومة الإلكترونية. سنقوم اليوم في هذا الدرس السابع بالتأمل في تجارب ثلاثة من كبرى دول العالم وإستخلاص بعض الفوائد والدروس والعبر التي قد نستفيد منها في السلطنة.


· الولايات المتحدة الأمريكية: تراجع ترتيب أمريكا حسب تصنيف الأمم المتحدة من المرتبة الأولى عالميا في عام 2005م إلى المرتبة الرابعة في 2008م. لعل من أهم ما يميز التجربة الأمريكية في هذا المجال هو تأثير فهم ودعم القيادة لمشروع الحكومة الإلكترونية. فعند التأمل في التاريخ، نجد أن أول من بدأ بإدخال هذا المصطلح إلى البلاد هو الرئيس السابق بل كلنتون في عام 1997م حيث حدد ضرورة إدخال خدمات إلكترونية من خلال مواقع الجهات الحكومية. وقام خلال فترة رئاسته الثانية بتشكيل فريق عمل للتخطيط والتنسيق لإدخال تقنيات الحكومة الإلكترونية في الجهات الحكومية. يأتي بعد ذلك الرئيس السابق جورج بوش في 2000م (وهو من حزب مختلف) ويلغي تقريباً كل ما خططت له إدارة كلنتون ويبدأ بفهم وخطط جديدة للمشروع مما سبب تأخيرا للمشروع و الكثير من المصادر الضائعة. شهد مشروع الحكومة الإلكترونية تطوراً ملحوظاً في عصر بوش ربما بسبب إستمرار إدارته لفترتين رئاسيتين (8 سنوات) ولولا ذلك لربما جاء الرئيس الجديد بأفكار مخالفة. كذلك مما يمكن للتجربة الأمريكية أن تفيدنا هو ضرورة التخطيط السليم لكيفية ربط المؤسسات والدوائر الحكومية المختلفة إلكترونياً من خلال شبكات عمل وسياسات عمل بيني (Interoperability Standards). فالأمر في أمريكا مختلف عن معظم دول العالم، فالحكومة مكونة من ثلاثة طبقات (مستويات): المستوى الفيدرالي (الرئاسي) والمستوى الخاص بكل ولاية (كل ولاية لها أنظمة مختلفة) والمستوى المحلي (كل مدينة داخل كل ولاية لها إهتمامات مختلفة). فكيف يمكن ربط جميع المدن أو الضواحي بمختلف مؤسساتها بجميع الولايات بمختلف قوانينها بالحكومة المركزية الفيدرالية في بوابة واحدة؟ من المنجزات في هذا الباب هو مشروع البنية الفيدرالية (Federal Architecture) والذي يهدف إلى ربط ودمج مستويات الحكومة المختلفة.


· المملكة المتحدة (بريطانيا): تراجع ترتيب بريطانيا حسب تصنيف الأمم المتحدة من المرتبة الرابعة عالميا في عام 2005م إلى المرتبة العاشرة في 2008م. من أهم ما واجهته الحكومة البريطانية في هذا الصدد هو عدم إقبال مواطنيها على إستخدام خدمات الحكومة الإلكترونية بالرغم من إقبالهم الشديد على خدمات التجارة الإلكترونية في البلاد. يرجع أهم أسباب ذلك لتذبذب ثقة المستخدمين بحكومتهم وشعورهم الكبير أن معلوماتهم الشخصية قد تكون عُرضة للإنتهاك من قبل رجال الحكومة. سنخصص درس خاص إن شاء الله عن مصطلح الثقة وتأثيره في تطبيقات الحكومة الإلكترونية. من ضمن الإجراءات التي إتخذتها الحكومة البريطانية لزيادة ثقة المواطنين ومجاراة النجاح الكبير للتطبيقات التجارية الإلكترونية هو تطوير بوابة إلكترونية تدور حول رغبات وإهتمامات المستخدمين. فلم يعد يحتاج المواطن البريطاني إلى معرفة الجهة الحكومية المنفذة للخدمة المنشودة، فالخدمات قد تم ترتيبها في البوابة الإلكترونية حول أنواع المستخدمين والأحداث الروتينية التي تحدث في الحياة.


· أستراليا: تراجع ترتيب أستراليا حسب تصنيف الأمم المتحدة من المرتبة السادسة عالميا في عام 2005م إلى المرتبة الثامنة في 2008م. من أهم ما يميز التجربة الأسترالية هو كيفية تعاملها مع مختلف الثقافات والديانات واللغات المختلفة في البلاد. فتطبيقاً لمبدأ الشمول الإجتماعي (Social Inclusion) والذي ينص على ضرورة توفير الخدمات المريحة لكافة شرائح المجتمع بإختلاف أماكن تواجدهم ودرجة تعليمهم وثقافاتهم، قامت أستراليا بتطوير مواقع إلكترونية بعدة لغات كالعربية والصينية والماليزية والإندونيسية واليونانية والهندية وغيرها. أظف إلى ذلك معاناة الدولة من الهوة (الفجوة) الرقمية، حيث يقطن الكثير من السكان الأصليين (الأبورجين) في وسط البلاد (الصحارى) والذين عادة ما تختلف نسبة تعليمهم وقدرتهم على إستخدام أو الوصول للتقنيات عن باقي السكان في المدن. من جانب آخر، تفيدنا التجربة الإسترالية إلى ضرورة التنبه إلى التأثير السلبي في فرض موعد محدد لتوفير الخدمات الحكومية. حيث قام الرئيس الأسترالي السابق جون هاورد بفرض موعد محدد (نهاية 2001م) تلتزم فيه جميع الجهات الحكومية بأن تقوم بتوفير جميع الخدمات المناسبة إلكترونياً. الأمر الذي جعل المنفذين يسعون إلى توفير الكم المناسب دون النظر إلى الكيف (الجودة) والكفاءة المرتجاه (التسرع في تقديم الخدمة الإلكترونية).


مما سبق، إستنتجنا أخواني القرّاء من تجارب بعض الدول المتقدمة بعضا من القضايا المهمة والتي سنستعرضها بقليل من التفصيل في الدروس القادمة. ساهمت هذه القضايا في إعاقة مشروع الحكومة الإلكترونية عند هذه الدول، الأمر الذي أعطى الدول الثانية أفضلية في التخطيط والتقدم بثبات ونجاح. يجب التنبه إلى أن جميع الدول السابقة قد تشترك وتختلف فيما بينها وبين السلطنة في أمور كثيرة. لذلك يجب أن نراعي مثل هذه الإختلافات عند محاولتنا في تطبيق الحلول المستسقاه من تجاربهم. فلا يجب أن نقوم ببساطة بتطبيق حلولهم دون مراعاة خصوصية السلطنة من مختلف النواحي (الدينية، الإجتماعية, الديموغرافية، الثقافية، السياسية، الإقتصادية وغيرها).

هناك تعليقان (2):

  1. يعطيك الف عافيه يا دكتور
    ما قصرت على على تقديم لنا هذي التجارب

    فادتني في احد اختباراتي الجامعيه
    شكرا لك

    ردحذف
  2. مشكور جدا يا دكتور بس لو انك تاتي بمواضيع اكثر تفاصيل
    على الادارة الالكترونية على عدة دول بشكل اوسع شكرا على الموضووع وني من فلسطين في غزة ارجو المواصلة على هذا الموضوع

    ردحذف