الاثنين، ديسمبر 17، 2012

أنواع الفساد في البلاد


أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها الأخير لعام ٢٠١٢ حول مستويات الفساد العالمي والذي يهدف لترتيب دول العالم وفق منهجية معينة حسب مؤشر فساد المؤسسات العامة في هذه البلدان. واحتلت السلطنة في هذا التقرير الترتيب الـ٦١ من اصل ١٧٦ دولة عالمية متقدمة فقط على دولتين من دول الخليج هما دولة الكويت والمملكة العربية السعودية. فيما احتلت دولتا قطر والإمارات العربية المتحدة المركز الأول خليجيا (مكرر) والمركز الـ٢٧ عالميا. يعطينا هذا الترتيب الانطباع العام الدولي عن حجم الفساد في البلدان وليس القياس الحقيقي لحجم الفساد لصعوبة قياس ذلك بسبب سرية معظم التعاملات الفاسدة. لذلك يعتمد التقرير وبشكل كبير في حساب مؤشر الفساد للدول على منهجية جديدة قابلة للمقارنة مع مؤشرات الأعوام المقبلة فقط لاختلافها الكلي عن المنهجية السابقة. تقوم المنهجية الجديدة لهذا البحث على دراسة عدة تقارير ومصادر معلومات دولية مختصة بموضوعات الحوكمة والمخاطر الاقتصادية الدولية والتقييمات الدولية للسياسات المتبعة في البلدان لتحليل الانطباع أو النمط العام لموضوع الفساد في كل دولة. طبعا مجرد العلم بهذا التقييم يجعلنا أمام تحدٍ دولي جديد لمحاولة دراسة طرق ومصادر حساب المؤشر ليتسنى لنا وضع خطط عملية للارتقاء بمبدأ الشفافية ومحاربة الفساد في السلطنة، فما موضوع التعدين المنشور في جريدة (عُمان) الغراء الأسبوع الماضي غير فيض من غيض. لذلك علينا أن نعي أن مثل هذه التقارير الدولية لها تأثيرات سلبية على البلاد خصوصا على مساعينا في جذب الاستثمارات الدولية لتطوير الاقتصاد المحلي ومحاولة حل معضلة الباحثين عن عمل بإيجاد فرص وظائف لآلاف الشباب الباحثين عن عمل. فما دمنا نعوّل على القطاع الخاص في المستقبل لاستقطاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل، علينا أن نوفر البيئة المناسبة له للعمل والتنافس بشكل شريف وعادل.

بداية علينا أن نعي أن للفساد أشكالا مختلفة تتعدى المفهوم العام لدى الناس وهو سرقة أموال الدولة واستغلال المسؤولين لمناصبهم من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية. فبالرغم من تركيز هذا التقرير على بعض أنواع الفساد ذات التأثير الاقتصادي، إلا أن هناك أنواعا أخرى لا تقل أهمية كالفساد الأخلاقي والإداري والاجتماعي والسياسي والديني وغيرها من الجوانب التي تشترك جميعها في عنصر مهم من وجهة نظري وهو عدم اتصاف البعض منا بالصدق والأمانة في التعامل مع الأمور. فعدم وضع الموظف المناسب في المكان المناسب لأي سبب كان يعتبر من الفساد، ومحاباة المعارف في العمل أو ما يعرف محليا بالواسطة أيضا فساد والتصويت للمعارف مع وجود الأكفأ فسادا والمجاملة المذمومة اجتماعيا ومهنيا أيضا فساد وهي عندما نجامل المخطئ ونحن نعلم بخطئه وقس على ذلك. كذلك لا يعتبر الفساد حكرا على طبقة أو فئة اجتماعية دون الأخرى، فجميعنا فاسدون إن لم نتصف بالأمانة والصدق في جميع أمورنا. فالآباء فاسدون إن انشغلوا عن تربية أبنائهم فيما هو أقل أهمية، والطلبة فاسدون ان لم يحاولوا النجاح في دراستهم، والموظفون فاسدون ان اخفقوا في أعمالهم وسرقوا ساعات العمل لمصالحهم الشخصية، والمستشارون فاسدون إذا لم يحسنوا النصح لأصحاب القرار، والعلماء فاسدون إذا كتموا العلم والحق عن الناس والرؤساء فاسدون إن لم يتقوا الله في المرؤوسين وهلم جرا.

لا يعتبر الفساد حكرا علينا في الشرق الأوسط، فمعظم دول العالم بما فيها الدول المتقدمة تعاني من موضوع الفساد بمختلف أنواعه. فالتقرير المشار إليه سابقا يظهر لنا أن روسيا تحتل المركز الـ١٣٣ والولايات المتحدة والمملكة المتحدة لم يأتيا في أعلى القائمة بل احتلا المركزين الـ١٩ والـ١٧ على التوالي، في حين احتلت الدنمارك وفنلندا ونيوزيلندا المركز الأول مكرر. حتى مع احتلال هذه الدول للمركز الأول إلا أن التقرير يشير إلى عدم خلو هذه البلدان من الفساد بشكل عام ولكن السياسات المتبعة والقوانين والضوابط المعمول بها هي الأفضل عالميا للحد من الفساد مما جعل الانطباع العام والذي يحسب كما أسلفنا بالرجوع لعدة مؤشرات رسمية عالمية في هذا الشأن هو الأفضل من بين دول العالم. أضف إلى ذلك أن الترتيب العام ليس كل شيء في هذا التقرير فهناك النتيجة الرقمية لكل دولة في عملية حساب الفساد والتي تتدرج من صفر للدول ألأكتل فسادا في العالم إلى مائة للدول الخالية من الفساد والتي لم تستطع أي دولة في العالم تحقيقها. فالدول الأولى عالميا استطاعت تحقيق نتيجة ٩٠ في حين استطعنا نحن في السلطنة أن نحقق قيمة ٤٧ بشكل عام. من جانب آخر يقدم لنا التقرير نسبة الخطأ في حساب القيمة بالإضافة إلى أعلى وأقل نسبة تم رصدها للوصول إلى الرقم السابق والذي يعطينا مؤشرا آخر اكثر تفاؤلا نستطيع من خلاله التركيز على مواطن الضعف بالرجوع إلى آليات البحث في التقرير بشكل مفصل ودقيق. ختاما أرى أن مسؤولية محاربة الفساد في بلادنا مسؤولية مشتركة غير مقتصرة على الحكومة أو بعض الجهات المختصة. فالفساد أنواع كما أسلفنا وجميع هذه الأنواع تؤثر في بعضها البعض سلبا وإيجابا. لذلك علينا بداية إخواني القراء وقبل توجيه الاتهامات للغير، أن ننظر في أعمالنا الخاصة من باب «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» لتغيير مواطن الفساد فينا قبل محاولة التفكر في الفساد العام في البلاد، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة. ولنعلم أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ما لم تؤدي إلى ضرر، وما هذا الفساد إلا نتيجة أخطاء متراكمة من الجميع بشكل مباشر وغير مباشر.

هناك تعليق واحد:

  1. تحية طيبة وبعد،،،
    جزيل الشكر عزيزي المبدع المتألق على المقالات اﻷسبوعية الرائعة والمفيده..

    مقالة جيدة جدا وعسى أن نعمل بما جاء بها، فضروري وواجب علينا اﻹخلاص ومحاربة الفساد بكافة اشكاله وأنواعه..

    ردحذف